vendredi 12 décembre 2014

شعريّة النصّ الحماسي عند أبي تمام والمتنبّي وابن هانئ


مراجع

دراسات وبحوث

شعريّة النصّ الحماسي عند أبي تمام والمتنبّي وابن هانئ

ليست الحماسة غرضا شعريا قائما بذاته ضمن أغراض الشعر العربي المعروفة التقليدي منها والمحدث. وإنّما هي أبيات ومقاطع شعرية نعثر عليها ضمن أغراض الشعر الكلاسيكية المختلفة من مدح ورثاء وفخر وهجاء. وذلك يعني من ضمن ما يعنيه أن الغرض الشعري يظلّ القوّة الموجّهة للقول حتى وإن استغرق المقطع الحماسي مجمل القصيدة. إلا أنّ ذلك لا ينفي اشتراك الشعر الحماسي في جملة من الخصائص الفنيّة والمعنويّة رشّحته لأن يكون على هيئة مخصوصة إنشاء وتقبلا. وتتعلق أساسا بوصف الشجاعة في الحرب والبطولة فيها وتتغنى بخصال القادة ومآثرهم وتمجّد إنجازاتهم العسكرية.

والحقيقة أن الحماسة بهذا المعنى تقترن بمعاني الشعر العربي المعروفة والتي كان النقاد القدامى قد ضبطوها فيما يعرف بالفضائل الأربع أي العقل والعفّة والعدل والشجاعة. وعلى فضيلة الشجاعة تدور معاني الحماسة إذ هي ليست في المحصلة إلا تنويعا وتوسيعا وتعميقا لفضيلة الشجاعة، يسلك فيها الشعراء مسالك تعبيريّة محدّدة يستقيم معها المقطع الحماسي على هيئة محدّدة ضمن الغرض الذي إليه تنتمي القصيدة.

وقد كانت حروب القبائل في العصر الجاهلي مناسبة مهمّة وموضوعا أثيرا أنتج قصائد حماسية شهيرة كمعلقتي عمرو بن كلثوم أو عنترة العبسي أو غيرهما. . . وستظل هذه المعاني الحماسية تلهب قرائح الشعراء وفقا لاشتداد الحروب والمواجهات في البلاد الإسلامية، وما يرافقه من إعلاء منزلة النموذج العسكري في ذلك المجتمع. فكان من الطبيعي أن تعلو أصوات الشعر الحماسي في العصر العباسي وما تلاه من عصور ما دامت أسباب القول الشعري وبواعثه وجمهور متقبليه والوظائف المناطة به قائمة. فكان من أعلام هذا الشعر في هذه العصور ما برمج تدريسا في السنة الرابعة آداب: أبو تمام وأبو الطيب المتنبّي وابن هانئ الأندلسي.

وقد وجدنا أنّ لهذا الخطاب الشعري (الحماسة) من أشكال تصريف الكلام إيقاعا وصورة ومعاجم وتراكيب ما يجعله يهفو إلى الخصوصيّة والتميّز. وهذا ما سنسعى إلى الوقوف عليه بشكل عمليّ مبسّط هدفنا في ذلك أوّلا وقبل كل شيء أن نذلل الصعوبات والمزالق التي تحفّ بموضوع الحماسة أمام الناشئة والمتعلمين من تلامذة الباكالوريا آداب.

إنّ الهدف من دراسة شعر الحماسة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وكما تحدّده البرامج الرسميّة إنّما هو:
تبيين الخصائص الفنيّة المميّزة لشعر الحماسة واستجلاء معانيه واستخلاص المثل والقيم التي يدعو إليها شعراء الحماسة (انظر سفر البرامج الرسمية ص71،87 ). ولما كان الشعر أي شعر إنّما هو فعل باللّغة وفي اللّغة بالأساس، فإنّ للّغة في الحدث الشعري مستويات حصرها الباحثون في أربعة وهي: المعجم والتراكيب والصورة والإيقاع. ولذلك سنعمل على تتبع هذه المستويات قصد الوقوف على الملامح التي تتخذها في شعر الحماسة. وهي ولا شك تتغير من مقام إلى آخر ومن سياق إلى سياق.
فما الذي به اتسمت هذه المستويات في شعر الحماسة مع أبي تمام والمتنبّي وابن هانئ الأندلسي؟

الخصائص الفنيّة في شعر الحماسة:
1- بنية القصيدة ذات المقطع الحماسي:
لما كانت الحماسة ترجع في معانيها إلى معنى مركزي في الشعر العربي هو الشجاعة أو البأس، فإنّ الشعراء يعمدون، في المقاطع الحماسيّة، إلى توسيع هذا المعنى وتفصيله وتوليد معاني جديدة ومتنوعة منه. ويتمّ ذلك عبر الإلحاح في تصوير المشاهد الحربيّة وإطالة اللوحات الوصفيذة. فيقيم الشاعر في صلب القصيدة وحدات سردية تكوّن، متى جمعناها، ما يمكن تسميته بنواة قصصيّة حربيّة تتوفّر فيها عناصر القصّ المعروفة من شخصيات وأحداث وأمكنة وأزمنة. وتتعلق هذه اللوحات برصد أعمال القادة والجيوش. وفي هذا السياق تقوى الوظيفة الإخبارية التاريخية في صميم القصيدة أو يعمل الشاعر على الإيهام بذلك.

إنّ البنية السرديّة لتتجلى من خلال هيمنة الأفعال الدالة على الحركة وتعاقبها تعاقبا تنظّمه المؤشرات الزمنية أو المنطقية. والنظام الذي يخضعها إليه الشاعر يؤدي عادة دلالة تنامي الأحداث ومرورها بأطوار متعاقبة من الاستعداد إلى الحرب إلى الاستجابة لندائها وخوض غمارها فإلى سرد التلاحم بين الجيشين ومظاهر التقتيل والتدمير لتتوّج القصة بالنهاية المظفّرة. هذه الأفعال غالبا ما تسند إلى البطل القائد العسكري على هيئات متنوعة لكنها تلتقي في الدلالة على فاعليته التي تستقطبها ذات البطل استقطابا بموجبه يتحوّل الجيش والفرسان وسائر عناصر المعركة امتدادا لذاته المتفردة. وأمام ذلك تنهض المقابلة بتعميق تلك الدلالات فلا يستأثر العدو من الأفعال إلا ما به يتأكّد عجزه عن المطاولة وافتقاره إلى الشجاعة العسكرية ومستلزماتها القيمة والفعليّة.

يقول أبو تمام في إحدى قصائده:



لاقاكَ بابَكُ وَهوَ يَزئِرُ فَاِنثَنــــى *** وَزَئيرُهُ قَد عادَ وَهوَ أَنيـــــــــنُ
.....

لَمّا رَأى عَلَمَيكَ وَلّى هارِبـــــــاً *** وَلِكُفرِهِ طَرفٌ عَلَيـــهِ سَخيــــنُ
.....

أَوقَعتَ في أَبرَشتَويمَ وَقائِعـــــاً *** أَضحَكنَ سِنَّ الدينِ وَهوَ حَزيـنُ


أَوسَعتَهُم ضَرباً تُهَدُّ بِهِ الكُلـــى *** وَيَخِفُّ مِنهُ المَرءُ وَهوَ رَكيــــنُ

ولا تقتصر هذه المقاطع القصصية على الأحداث تسرد، بل كثيرا ما تنفتح على الوصف يخصّ به الشاعر جملة متنوعة من الموصوفات. ومن تلك المراوحة تنشأ اللوحات المتكاملة العناصر ويغتذي الطابع الملحميّ وتمثّل وقائع الحرب في الأذهان. ولذلك قال بن الأثير عن المتنبّي «أنّه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا.. . «.

2- الشعر والتاريخ:
على أنّ هذه السرديّة وإن ارتبطت بالانفتاح على التاريخ وقويت فيها الوظيفة المرجعيّة ليست مجرد استنساخ لما وقع. بل لعلّ الأحداث والوقائع مجرّد منطلق للقول وقادح عليه. وما يتوفّر عليه الشعر الحماسي من قرائن مرجعيّة ليست إلا «أصداء من الواقع» وآثارا له آية ذلك مجمل مظاهر التحويل التي تمسّ العالم الممثّل. فهو يخضع إلى مقتضيات الغرض وقوانين القول الشعري وذاتية التلفظ. . . لذلك قيل عن شعر المتنبّي الحماسي «ليس وصف حروب بقدر ما هو حروب وصف». ولذلك كانت صور القادة في هذا الشعر مجافية لصورهم في التاريخ. فالقائد مانويل مثلا، كان على ضرب من الدهاء والشجاعة وإعياء الخصم غير ما نستفيده من صورته في شعر الطائي. وقل الشيء نفسه عن صور الحرب والوقائع.. . ولعلّ ذروة ذلك أن تنطق القصيدة بعكس ما يرويه التاريخ، كأن تحوّل الهزيمة نصرا فيما قاله المتنبّي مخففا عن سيف الدولة:


الدّهْرُ مُعتَذِرٌ والسّيفُ مُنْتَظِرٌ *** وَأرْضُهُمْ لَكَ مُصْطافٌ وَمُرْتَبَعُ

إنّ التاريخ وهو يحضر في النصّ الحماسي، يتزين بألوان تؤسطره وتخرجه من التجريبي الزائل إلى النموذجي الخالد. فيتّخذ حينئذ وجها أدبيا ينهض بوظائف غير التأريخ والتسجيل، من الوظيفة الجمالية التي تقتضي تجويد الكلام وإخراجه غير مخرج العادة ليكون ذريعة للتأثير في القارئ وعطفه على جملة من القيم.

3- الإيقاع:
يتجاوز الإيقاع الأوزان وإن كان يشملها ويوظف طاقاتها وإمكاناتها المبدئية. فالوزن إطار سابق للقول ونظام مشترك جاهز لاستقبال الإنجازات الفردية والإبداعات الخاصة. بينما الإيقاع مجال التميّز والإضافة وقرين التجربة ووثيق الصلة بالدلالة المراد تبليغها.
والإيقاع يتولد عن التكرار، بصوره المتعدّدة، وإن كان لا يقف عنده.

أ- الإيقاع الخارجي:
يستخدم شعراء الحماسة عادة أوزان البحور الممتدّة الواسعة ذات النفس الطويل مثل البسيط والكامل والطويل... وهي بحور تقترن عادة بالأغراض الكلاسيكية الجادّة كالمدح والفخر والرثاء... أمّا في مستوى الرويّ فيميلون إلى استعمال الأصوات القويّة المجهورة ذات الصدع مثل الميم ، الدال، النون، الجيم... ولا شكّ أنّ هذه الاختيارات في مستوى الإيقاع الخارجي تخدم النزعة الحماسية في القصيدة إن لم تكن تسهم في إنشائها.

ب- الإيقاع الداخلي:
تتّسم القصائد الحماسيّة بثراء إيقاعها الداخلي وتنوعه وقوّته. ويحرص الشعراء عادّة على خلق تناغم صوتي بين مكوّنات الكلام يظهر في:
- إشاعة الأصوات الشديدة المجهورة:


تجاوَزْتَ مِقدارَ الشّجاعَةِ والنُّهَى *** إلى قَوْلِ قَوْمٍ أنتَ بالغَيْبِ عالِمُ
(المتنبّي)

- استثمار المقاطع الطويلة المنفتحة في سياق محاكاة مجاهدة الفعل ومطاولة الأعداء:


بَنَاهَا فأعْلى وَالقَنَا يَقْرَعُ القَنَا *** وَمَوْجُ المَنَايَا حَوْلَها مُتَلاطِمُ  
(المتنبّي)

- نشر حروف التفخيم وهي الضّاد والصّاد والطّاء والظّاء.

حتى التوى من نقع قسطلها *** على حيطان قسطنطينية الإعصار
(أبو تمام)
- استثمار التضعيف:


حَــقَرتَ الرُدَينيَّـاتِ حَـتَّى طَرَحتَهـا *** وحَــتى كـأنَّ السـيف لِلـرُمحِ شـاتِمُ  
(المتنبّي)

أرضٌ تَفَجَّرَ كلُّ شيءٍ فوقَها *** بدَمِ العِدى حتى الصّفا والجَندل  
(ابن هانئ) 

- التكرار والاشتقاق وهو ظاهرة بارزة في شعر أبي تمام:



فتى دهره شطران فيما ينوبه *** ففي بأسه شطر وفي جوده شطر  
(أبو تمام)

- الموازنة التركيبية:


فالشَّمْسُ طَالِعَة ٌ مِنْ ذَا وقدْ أَفَلَتْ *** والشَّمسُ واجبة ٌ منْ ذا ولمْ تجبِ  
(أبو تمام)
4- الصورة الشعرية:
الشعر تفكير بالصور. والتصوير الشعري تمثيل للذوات والأشياء والأفكار والعواطف عبر بناء علاقات بين عناصر قد تبدو متباعدة وكشف عمّا يكمن خلف ذلك التباعد من أواصر. إنّها إعادة تشكيل للعالم وبناء لموجوداته على غير الهيئة التي عهدنا. ولذلك اعتبرت الصورة مدخلا قرائيا مهما يسم النصوص بخصوصية ما.

ولمّا كان الشعر الحماسي يضجّ بمقاطع وصفية تتعلق بالحرب والوقائع وتتبع تفاصيلها وعناصرها، كانت الصورة الشعرية من أهم وسائل قوله.

وسائل إخراج الصورة:
اعتمد شعراء الحماسة التشابيه والكنايات والاستعارات أدوات قول وأساليب فنية لإخراج معاني الشجاعة الحربية وما يشتق منها من لوازم.
ومن أهمّ خصائص الصورة الشعريّة في هذه المقاطع الحماسيّة:

- الوصف الدقيق:
وصف تسجيلي للأحداث والوقائع يستقصي الموضوع ويحدّد الأماكن (عمورية، الحدث الحمراء، قسطنطينة...) والأزمنة، ويعيّن الأبطال والأعداء (أبوسعيد الثغري، المعتصم، سيف الدولة، المعز، مانويل،...). فتنزع الصورة إلى المطابقة.

- الغلوّ في التصوير من خلال المبالغة في وصف امتداد الجيش واحتلاله الأرض بل الكون أفقيا وعموديا:
يقول المتنبّي:


خميسٌ بشرْقِ الأرْضِ وَالغرْبِ زَحْفُهُ *** وَفي أُذُنِ الجَوْزَاءِ منهُ زَمَازِمُ 

- اعتماد صور حسية مستمدة من مراجع طبيعية تتسم بالعلو والصلابة والمنعة في تصوير الخيول مثلا:

- استلهام الطبيعة الحيوانية المتّسمة بالقوة وسرعة الحركة ودقّة الإصابة:



قدتَ الجيادَ كأنهنَّ أجادلٌ *** بِقرَى دَرولِية ٍ لها أوْكارُ


(أبو تمام)

من الطّيرِ إلاّ أنّهُنّ جَوارِحٌ *** فليسَ لها إلاّ النفوسُ مَصيد
(ابن هانئ)
  
إِذَا رَأَيْتَ نُيُوْبَ اللَيْثِ بَارِزَةً *** فَلَا تَظُنَّنَ أَنَّ اللَيْثَ يَبْتَسِمُ
(المتنبّي)

- استغلال ثنائية الإظلام والنور لإخراج صور الحروب ودمارها للمدن المفتوحة. فينشأ حينئذ صراع ضوئي يتدرّج به الشاعر نحو تصوير كارثي قيامي:


ضوءٌ منَ النَّارِ والظَّلماءُ عاكفـــةٌ *** وظُلمة ٌ منَ دخان في ضُحى ً شحــبِ  
حتَّى كأنَّ جلابيبَ الدُّجى رغبــــتْ *** عَنْ لَوْنِهَا وكَأَنَّ الشَّمْــسَ لَم تَغِــــــبِ  
(أبو تمام)

والاشتغال على الألوان القانية ميزة ظاهرة وسمت الشعر الحماسي لاستثمار إيحاءاتها العنيفة.

- توظيف الألوان كالحمرة للحرب وآثارها والخضرة لحسن الثواب:



تردى ثيابَ الموتِ حمراً فما دجا *** لها الليلُ إلاَّ وهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خَضْرُ  


(أبو تمام)

- صور مشهديّة متحرّكة تصوّر الحرب مشتعلة وتتابع أطوارها المتعاقبة فنخرج من ثبات الصورة إلى حركيّة المشاهد. وكان من آثار ذلك:
- نشر الصورة وتوسيع مداها التخييلي أفقيا وعموديا لتشمل البيت كاملا بل والمقطع الشعري بأسره.

وظائف الصورة:
تتعدّد وظائف الصورة في هذا الشعر، و تتلون بالغرض الذي فيه، و يمكن إجمالها في الآتي:
- حسن إخراج المعنى و تجويده.
- وظيفة تأثيرية تتوزّع بين ترهيب الأعداء من قوة الممدوح وتجاوزها الحدّ الممكن تصوره فيركن إلى الاستسلام والتسليم بها، وترغيب جمهور المسلمين في الإقدام عليها بتحويل قبحها جمالا يستهوي القلوب ويدعو إليها.

- مظاهر الاختلاف:
كل من أبي تمام وأبي الطيب المتنبّي وابن هانئ الأندلسي قد عاش في فترة انتقلت فيها الخلافة الإسلامية من طور المهاجم الفاتح إلى دور المدافع عن ثغور البلاد. ثمّ إن تلك البلاد قد كانت متاخمة للأعداء شرقا (أبو تمام والمتنبّي) أو غربا (ابن هانئ) أو من قبل الثائرين الداخليين.

أبو تمام: ما ميّز أبا تمام احتفاؤه بالبديع يطلبه وإلحاحه على المتجانس من الأصوات والمفردات وغيرها يشيعه في متن قصائده حتى عدّه القدماء وبعض من المحدثين تصنّعا وتكلّفا.

المتنبّي: يظل المتنبّي، في حماساته، منشدا إلى ذاته يتغنّى بقوّتها وتعاليها وتمرّدها على واقع الرضى والتسليم مستعيدا مجمل المعاني الحماسية. فتعلو نبرة الفخر بالذات لا بالقبيلة كما هو شأن الفخر القبلي الجاهلي. ولقد تجلّى هذا الفخر إمّا في مقطوعات متمحّضة لذلك، وهذا في شعر الصبا على الخصوص، وإمّا معاني تتخل الأغراض. فإذا بالذات تستقطب تلك الحماسة أو تتقاسمها مع الممدوح أو المرثي.. . وغنيّ عن القول أن هذه الظاهرة تجد تفسيرها في تلك الذات النرجسيّة المتعاليّة ترى نفسها مركز الكون وتعلن سخطها على «ما خلق الله وما لم يخلق».



الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني *** والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ

 وإضافة إلى ذلك، فإن المتنبّي صوّر أبطاله العسكريين منتصرين لعروبة يتهدّدها الاندثار، ساعين لإحياء مجد «قومي» ينكره عصر اغتراب العنصر العربي أمام توسّع نفوذ «الأعاجم». فكان أن اصطبغ الصراع ببعد «قومي» لا ديني جهادي كما عند سلفه أبي تمام.

أمّا وقد توّقر لدينا أّن شعراء الحماسة يسلكون في تصوير الحروب مسالك كلاميّة تنهض على مقومات فنيّة تكاد تطرد في جلّ أشعارهم مدحا كانت أم رثاء أم فخرا، فانّ أشكال تصريف الكلام عندهم لم تكن غاية في حدّ ذاتها ولا من قبيل الترف الفنّي وإنّما هي موظفة في خدمة جملة من المعاني إن لم تكن بالأساس متولّدة عنها. وكمّا توحّدت المقومات الفنية في وصف الحروب أو كادت جاءت المعاني أو أهمّها مطردة بين سائر الشعراء ذلك أنّ هذه المعاني تقوم في شعر الحماسة على تمجيد جملة من القيّم الحربية يمدح بها ويفتخر بها أو يرثى بها الميتون من عظماء قادة الحروب وأبطالها.

ويمكن حصر أهمّ تلك المعاني والقيّم في: الشجاعة والقوة والبأس ورباطة الجأش والإقدام والثبات والتلذذّ بالحرب والانتشاء بالوقوف في أخطر مواقعها:
وفي ذلك يقول أبو تمام:


فتـــــى لا يستظــل غداة حرب *** إلى غير الأسنة والبنـــــــــود
أخــو الحرب العوان اذا أدارت *** رحاها بالجنود على الجنـــود

ويعبّر أبو المتنبّي عن ذات المعنى بالقول:


وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شـكٌّ لوَاقِفٍ *** كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِــمُ
تَمُرُّ بك الأبطالُ كَلْمَى هَزِيْمـــــــةً *** ووجهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِــــــمُ

أو يقول:



ضروبٌ وما بين الحسامين ضيقٌ *** بصيرٌ وما بين الشّجاعين مظلم

على أن الشجاعة وحدها لا تكفي في الانتصار على الأعداء وفي صنع القائد المثالي فإليها تنضاف خصال أخرى أشاد بها الشعراء أبرزها حسن قيادة الجيوش والخبرة بمجال الحرب والدّراية بأساليبها وخطّطها، ولنا على ذلك شواهد كثيرة لدى كلّ من أبي تمام والمتنبّي وابن هانئ.
يقول أبو تمام في مدح أبي سعيد الثغري:


قدتَ الجيادَ كأنهنَّ أجادلٌ *** بِقرَى دَرولِية ٍ لها أوْكارُ

أو يقول فيه:


فَطَوْراً تُجْلِبُ الدُّنْيَا عَلَيْــــهِ *** بِخَيْلٍ فِي السُّرُوجِ وَفِي اللُّبُــــودِ

وَطَوْراً تَسْتَثِيرُ عَلَيْهِ رَأْيـــاً *** كَحَدِّ السَّيْفِ فِي حَبْلِ الوَرِيـــــــدِ

أمّا المتنبّي فقد تفنّن في إخراج هذه المزاوجة الفريدة بين البطش والحنكة أو حكمة القيادة بالقول:


يُكَلّفُ سيفُ الدّوْلَةِ الجيشَ هَمّهُ *** وَقد عَجِزَتْ عنهُ الجيوشُ الخضارمُ

أو يقول:


تجاوَزْتَ مِقدارَ الشّجاعَةِ والنُّهَى *** إلى قَوْلِ قَوْمٍ أنتَ بالغَيْبِ عالِمُ

أو يصّرح بهذه الثنائية فيقول في مدح الأمير سيف الدولة دائما:


الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ *** هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثانـي
فَإِذا هُما اِجتَمَعـا لِنَفسٍ مِرَّةٍ *** بَلَغَت مِنَ العَليــاءِ كُلَّ مَكانِ

أمّا ابن هانئ فقد رأى في المعزّ صورة أخرى لانصهار السيف وقوّته بقوّة البصيرة ورجاحة العقل فيقول في ذلك:


وكيف أخوض الجيشَ والجيشُ لُجّةٌ *** وإنّي بمن قد قاده الدهرَ مولَع

على أنّ فضيلة العقل والحكمة وان كانت ضرورية في الحرب فلا بدّ للقائد أيضا أن يجمع إلى ذلك مؤهلات أخلاقيّة تخرج أعماله القاسية والوحشيّة في الحرب من دائرة العنف المجانيّ أو العبثي فيبدو بطشه متنزّلا ضمن أهداف وغايات نبيلة كالدّفاع عن العرض والغيرة عليه والذّود عن الحمى والدّين والتصدي لرايات الكفر والشرك. ولمّا كان البطل الحربيّ مشغولا بتلك الأهداف النبيلة فقد أهّلته خصاله الأخلاقيّة ليولي وجهه شطر الحرب وهكذا يبدو في شعر الحماسة في صورة القائد العزوف عن الملذات والزّهد في متاع الدّنيا وهو معنى كثيرا ما يتردد في كلى أبي شام والمتنبّي.

يقول أبو تمام في مدح المعتصم:



لَبَّيْتَ صَوْتاً زِبَطْرِيّاً هَرَقْــــــتَ لَهُ *** كأسَ الكرى ورُضــــــابَ الخُرَّدِ العُرُبِ
عداك حرُّ الثغورِ المستضامةِ عنْ *** بردِ الثُّغور وعنْ سلسالها الحصـــــبِ 

فقد هبّ المعتصم لنصرة أهل زيطرة الدّين استغاثوا به ولم يقعده عن ذلك ترف العيش وحياة الدّعة ومعاشرة الكواعب الحسان.

أمّا المتنبّي فقد عبّر عن ذلك بالقول في إحدى مقدّمات قصائده الشاكية:



لَولا العُلى لَم تَجُب بي ما أَجوبُ بِها *** وَجناءُ حَرفٌ وَلا جَرداءُ قَيـدودُ
وَكانَ أَطيَبَ مِن سَيفي مُضاجَعَــــــةً *** أَشباهُ رَونَقِهِ الغيدُ الأَماليــــــــدُ

وقوله في مناسبة أخرى:


وَلا تَحسَبَنَّ المَجدَ زِقّاً وَقَينَــــــــةً *** فَما المَجدُ إِلّا السَيفُ وَالفَتكَةُ البِكرُ
وتَضريبُ أعناقِ المُلوكِ وأن تُرَى *** لكَ الهَبَواتُ السّودُ والعسكرُ المَجْرُ

وصورة القائد المتعفّف حاضرة أيضا في حماسة ابن هانئ بل لعلّها أكثر وضوحا في مدحياته للمعزّ لما يحيط به من هاله قدسيّة متأتّية من انحداره من سلالة الرّسول يقول في ذلك:


وجَلا ظَلامَ الدِّين والدّنْيا بهِ *** مَلِكٌ لما قال الكِرامُ فَعُول

لقد خلق شعراء الحماسة من أبطالهم وقادتهم نماذج عسكرية عليا وأنشأوا لهم صورا نموذجية لعلّها هي الصورة المنشودة للقائد العربي المنشود.

على أن لهؤلاء القادة انجازاتهم العسكرية الواقعية التي ما فتئ الشعراء الثلاثة يتغنون بها، وتعد هذه الانجازات من المعاني الرّئيسية في أشعارهم ومن أهم تلك الانجازات:

- فتوحاتهم لبلدان وثغور وضمّها إلى دولة الإسلام فها هو أبو تمام يعتبر وصول أبن سعيد الثغري أين القسطنطينية فتحا جليلا فيقول:



قد صرّحت عن محضها الأخبار *** واستبشرت بفتوحك الأمطار

كما ارتقى بهجوم المعتصم على مدينة عمورية إلى مستوى الفتح الأعظم أو فتح الفتوح كما يقول:


فتح الفتوح تعالى أن يحيطه *** نظم من الشعر أو نثر من الخطب


فتْحٌ تفتّح أبواب السماء لــه *** وتبرز الأرض في أثوابها القُشُـب

أما المتنبّي فيقول بعد وقعة الحدث مادحا سيف الدّولة ومتغنيا بانتصاره:


وَلَستَ مَليكاً هازِماً لِنَظيرِهِ *** وَلَكِنَّكَ التَوحيدُ لِلشِركِ هازِمُ

أو يقول:


خضعت لمنصلك المناصل عنوة *** وأذل دينك سائر الأديان

أو يقول:


وَمَنْ طَلَبَ الفَتْحَ الجَليلَ فإنّمَا *** مَفاتِيحُهُ البِيضُ الخِفافُ الصّوَارِمُ

وأمّا ابن هانئ فقد اقترن عنده مدح المعزّ بالمعاني الدينيّة كأوضح ما يكون حيث يقول فيه:


هذا المعزّ إبن النبي المصطفى *** سيذبّ عن حرم النبي المصطفى

ومن الانجازات التي مجّدها شعراء الحماسة تصدّي القادة لهجمات الروم وردّ اعتداءاتهم المتكرّرة على ثغور المسلمين وفي ذلك يقول أبو تمام مادحا أبا سعيد الثغريّ:


لولا جلادُ أبي سعيدٍ لم يزلْ *** للثغرِ صدرٌ ما عليه صدارُ

أمّا المتنبّي فقد أثنى على حسن بلاء سيف الدّولة عندما استردّ قلعة الحدث وأعادها إلى حظيرة الإسلام بعد أن أصابها الكفر بالجنون.


طريدة دهر ساقــــــــها فرددتها *** على الدّين بالخطر والدّهر راغم


وكان بها مثل الجنون فأصبحت *** ومن جثث القتلى عليها تمائـــم

وأما ابن هانئ فقد عبّر عن ذلك في أكثر من موضع يقول:


إنّ التي رامَ الدُّمُستُقُ حَربَها *** للّهِ فِيها صارمٌ مسلول

ولم يفت شعراء الحماسة الإشادة بدور القادة في إخماد الفتن الداخلية وإخضاع المتمردين سواء على دولة الخلافة أو على بعض الإمارات. وقد كان لأبي تمام في هذا الباب صولات شعرية تركّزت بالأساس على مدح دور بعض القادة في التصدّي للمنشقين فاحتفى أيّما احتفاء بما قام به أمثال الأفشين وأبي سعيد الثغري في صيانة وحدة الخلافة من ثورة حيث يقول مادحا الأخير ومعتبرا انجازه عملا جهاديّا مقدّسا:


أليست بأرشق كنت المحامي *** عن الإسلام ذا بأس شديد


رآك الخرّمي عليه نــــــــــار *** تلهّب غير خامدة الوقـــود

والمتنبّي ذاته لم يغفل عمّا قام به سيف الدّولة في عمليات التصدّي لتمرد بعض القبائل العربيّة على سلطته حيث يقول في تصدّي الأمير لما أحدثه بنو كلاب من قلاقل:


بِغَيرِكَ رَاعِياً عَبِثَ الذّئَابُ *** وَغَيرَكَ صَارِماً ثَلَمَ الضِّرَابُ


وَتَمْلِكُ أنْفُسَ الثّقَلَينِ طُرّاً *** فكَيفَ تَحُوزُ أنفُسَــــها كِلابُ

تلك كانت بعض أهمّ معاني الحماسة عند شعرائنا الثلاثة ولسنا نزعم الإتيان عليها كلّها فذلك أمر لا تدعيه هذه الدّراسة في حدودها المدرسية فمعاني الحماسة تفيض على الحصر والمعول في استنباطها وقف على دراسة النصوص دراسة متأنية وشاملة.

وظائف الشعر الحماسي:
يعمل شعر الحماسة على خلق نماذج بطولية عليا عبر تحويل الممدوحين من قادة الحرب وأمرائها إلى مثل عليا عسكرية لعلّها مطلوبة أكثر مما هي موجودة. ويراد لهذه المثل أن تترسخ في الذّاكرة الجماعيّة للمجموعة المحاربة التي يتغذّى وجدانها من خلال أعمال هؤلاء البطولية بمشاعر العزّة والكرامة والنّخوة والشّرف فيتعمّق شعورها بالانتماء إلى هويّة لها حضورها في التاريخ على صعيد المنجزات الحربية.
 
كما يلعب شعر الحماسة وظيفة تعبوية تهدف إلى جلب الأنصار والمتطوعين للقتال وتحريضهم عليه وهي وظيفة سياسية بالأساس تنضاف إلى الوظيفة النفسيّة المقترنة بالتحميس وإثارة الحميّة الدّينيّة أو القبلية أو حتى النعرات الطائفيّة مثلما هو الشأن لدى ابن هانئ ومن شأن هذه الوظيفة أن تساعد المحاربين على مغالبة مشاعر الخوف والرهبة المحايثة لأجواء الحروب وأهوالها.

وفي مقام أخير لشعر الحماسة مزيّة تسجيل الوقائع الحربية التي قد تغفل عنها كتب التاريخ وهو ما يبرز من خلال حضور الوظيفة المرجعية في كثير من شعر الحرب لدى كلّ من ابن تمام والمتنبّي وابن هانئ.
مبروك المعشاوي وتوفيق العرفاوي

Aucun commentaire :

Enregistrer un commentaire